سيد محمد طنطاوي
160
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تعالى - * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * . روى مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه بن عمرو قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن المقسطين عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن . وكلتا يديه يمين . الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا » « 1 » . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي : 1 - أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن أي طريق محرم سواها . ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال . وينفرون من الحرام ، بل ومن الشبهات ، وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم ، وأنه لا يصح أن يأخذوا عليه أجرا . . قال ابن جرير : شفع مسروق لرجل في حاجة فأهدى إليه جارية ، فغضب مسروق غضبا شديدا وقال : لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك ، ولا أكلمه فيما بقي من حاجتك . سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقا ، أو يرفع بها ظلما ، فأهدى له ، فقبل ، فهو سحت » . وعن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به » . قيل يا رسول اللَّه وما السحت ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : « الرشوة في الحكم » . وعن الحكم بن عبد اللَّه قال : قال لي أنس بن مالك : إذا انقلبت إلى أبيك فقل له : إياك والرشوة فإنها سحت . وكان أبوه على شرط المدينة » « 2 » . قال بعض العلماء : والرشوة قد تكون في الحكم وهي محرمه على الراشي والمرتشي . وقد روى أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لعن الراشي والمرتشي والذي يمشى بينهما » لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقا من جهة أنه قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به . وإن حكم بالباطل كان فاسقا من جهة أنه أخذ الرشوة . ومن جهة أنه حكم بالباطل . وقد تكون الرشوة في غير الحكم مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها ، فقد روى عن الحسن أنه قال : « لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه » . وروى عن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا : « لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وما له إذا خاف الظلم » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة ج 6 ص 7 ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 240 - بتصرف يسير -